دراسة المؤلفات

دراسة المؤلفات

رواية محاولة عيش نموذجا

تمهيد

يقصد بالمؤلفات تلك الآثار الأدبية البارزة في التراث الأدبي للغة العربية قديمها وحديثها، وهي تسهم في ترسيخ ملكة المطالعة والتأهيل لمعرفة طرائق الكتابة، والإقدار على قراءة النصوص الطويلة. ونحن في هذه السنة مطالبون بتعرف الكتابة المغربية من خلال مؤلفات مغربية لكتاب معاصرين، تقرب القارئ من ذاته ومن الواقع والحياة الاجتماعية المغربية. ومن اجل هذا سيكون منطلقنا من رواية "محاولة عيش" لـ"محمد زفزاف".

I _ تأطير النص:

1_ التعريف بالكاتب

أ_ صورة الغلاف

صدرت رواية محاولة عيش في طبعات مختلفة، مما أدى لاختلاف الغلاف الغلاف من طبعة لأخرى، واخترنا غلاف الطبعة الأولى. إن أول ملاحظة يمكن الإشارة إليها هي الألوان الداكنة التي يتشكل منها غلاف الرواية، حيث في الأعلى اسم المؤلف، وفي أسفل الصفحة اسم الجنس الأدبي (رواية)، ومكان الطبع (دار الثقافة للنشر والتوزيع)، وفي وسط الصفحة يتوزع اللون الدكن في اليمين، وآخر برتقالي في اليسار، مكتوب عليه بأحرف واضحة وبارزة اسم المؤلف (محاولة عيش)، حيث تداخل اللونين معا في شكل منظر للغروب الذي لا يمكن اعتباره إلا دلالة على النهاية (نهاية اليوم، نهاية الحياة ...).

ب ـ فرضيات القراءة

ü بم توحي لك صورة الطفل

ü أية علاقة بين الألوان والعنوان

ü أية علاقة بين الطفل والرواية

ü بم يوحي لك اللون السود

ü بم يوحي لك اللون البرتقالي

ü ما علاقة الألوان (أو الصور) بالمستوى الاجتماعي للمجتمع المغربي

Ø يطرح النص الحالة ظروف القهر الاجتماعي لبعض الشرائح من المجتمع.

ج_ دلالة العنوان:

يعتبر العنوان بمثابة بطاقة هوية دالة على الأثر الأدبي، ويعتبر عتبة لقراءة النص.

يتألف العنوان من لفظتين:

محاولة: (من حاول) إذا أراد إدراك شيء وإنجازه، وطلبه على وجه الحيلة.

عيش: (عاش، عيشا، وعيشة، ومعاشا) صار ذا حياة.

والعيش: الحياة ومتطلباتها، من مأكل ومشرب، ودَخْل، وخبز ورزق.

و"محاولة عيش" وليست "محاولة العيش"، بمعنى طلب الرزق وكسبه في ظل شروط قاسية تحول دون ممارسة الإنسان لوجوده وحفظ كرامته، وإنسانيته. فتصبح أفعاله وتحركاته مجرد <<محاولة عيش>> وليست حياة بالفعل، طالما أن للحياة مواصفات خاصة تفتقر إليها شخصيات الرواية. وأي توقف للشخصية عن القيام بمحاولاتها يؤدي بها للموت والفناء. وبتأمل الأنشطة التي تزاولها الشخصيات نجد أنها تعيش ولا تحيى، وهي على حافة الموت، وتحت عتبة الفقر:

<<أحيانا كان أبوه يأخذه معه لجني البلوط وبيعه>> (ص 17)

<<امتداد شاسع من البراريك القصديرية... منهم الحفارون والخادمات واللصوص ومنهم الصباغون والجيّارون والبائعون المتجولون والمتسولون وكل شيء. منهم كل شيء وكل شيء حتى بائعو الصحف. ومن بائعي الصحف حميد>> (ص 17)

د_ الجنس الروائي

يعتبر النقاد الرواية الأوربية ملحمة البورجوازية، إذ تسلط الضوء على ضياع الإنسان وغربته في المجتمع الحديث، رواية يسعى بطلها الضائع والمغترب لتحقيق عالم متجانس تتحقق فيه أحلامه وطموحاته.

ارتبط ظهور الرواية العربية ببداية النهضة العربية الحديثة، إذ مثلت مرآة للمجتمع العربي الحديث الذي يواجه التخلف والتسلط. وحسب "عبد الله العروي" قد اقترنت نشأة الرواية العربية ببحث المجتمع العربي عن هويته (علاقة الأنا والآخر ـ المجتمع العربي والحضارة الأوربية ـ اتخاذ موقف من الآخر).

الرواية جنس أدبي ظهر مع بداية مرحلة التشكل البورجوازي للمجتمع الأوربي الحديث، يمتاز هذا الجنس باعتماد النثر أداة في عرض وقائع الحياة ضمن سياق حكاية متخيلة.

نستخلص من هذا التعريف ناحيتين متعلقتين بالجنس الروائي:

_ ظهور هذا الجنس الأدبي مع ظهور تشكيل اجتماعي جديد، مما يعني وجود علاقة بينهما.

_ النثرية مقابل الشعرية التي كانت أداة الأدب والتي من خلالها كتبت الملحمة، وهي الجنس الروائي السابق للرواية.

الرواية جنس أدبي نثري: تسمح النثرية للجنس الروائي بمقاربة أكبر لحياة الناس والواقع أن النثرية تقرب العلاقة بين الواقعي والمتخيل، وهو ما يميز الفن الروائي، إذ تخلصه من قيود الشعر. (محمد كامل الخطيب، سلسلة النقد الأدبي، الرواية والواقع، ص 106__ 107).

2_ التعريف بالكاتب:(1942_2001)

ولد محمد زفزاف بسوق أربعاء الغرب، ترعرع بمدينة القنيطرة، وتلقى فيها تعليمه الأولي، حصل على شهادة الباكلوريا سنة 1965، والتحق بكلية الآداب شعبة الفلسفة. التحق سنة 1968 للتدريس بالتعليم الإعدادي، ثم ترقى ليصبح أمينا لمكتبة التلاميذ.

انخرط في الإبداع والتأليف بداية بالكتابة الشعرية، لينتقل بعد ذلك إلى كتابة القصة، كما أسهم في حركة الترجمة.

من إبداعاته الشعرية: أغنية الرماد (1963)، صليب وأمل (1964)

من أعماله الروائية: المرأة والوردة (1972)، قبور في الماء (1987)، محاولة عيش (1985)

أعماله المسرحية: الكلب مقتول على الرصيف (1972)، ما حدث للشاعر فرانسيس حام في جنوب المغرب (1976)، بيت الرامود (1998).

أسست أعمال زفزاف لقصة عربية _مغربية أساسها الابتكار والحداثة، واستلهام تفاصيل الهم اليومي للإنسان العادي البسيط. كما مثل الصورة المتناقضة لـ"ثقافة المدينة" وبريقها الخادع وأصحاب البدلات الشيك والجهل الثقافي. وأعماله تحترم جمهورها وتعنى بقضاياه، بعيدة عمّا يشتهيه الآخر.

وفي النهاية يعتبر زفزاف من كتاب القصة المغاربة، والذي ظل وفيا لمسحوقي شعبه، حريصا كل الحرص لأن يظل هذا الوفاء متألقا واضحا عبر الفن لا عبر البيان الصحفي أو السياسي.

II _ الـفـهـم:

1_ فصول الرواية

تتمفصل الرواية إلى اثني عشر فصلا ممثلة بواسطة أرقام، وسنحاول أن نقدم لكل فصل عنوانا خاصا:

الفصل الأول: معاناة حميد في الميناء

الفصل الثاني: حميد ورئيسه الجديد

الفصل الثالث: حالة حميد بعد أن صار يعول عائلته

الفصل الرابع: جولات حميد الليلية في الملاهي (في البار)

الفصل الخامس: حكاية حميد واليهودية صاحبة المطعم

الفصل السادس: وحميد وبيع الصحف في مقهى الأركاد

الفصل السابع: بناء الأم براكة جديدة لحميد

الفصل الثامن: رشوة المقدم حتى لا يهدم البرّاكة

الفصل التاسع: تفكير الأم في تزويج حميد

الفصل العاشر: تعرف حميد على<<غنو>>

الفصل الحادي عشر: شك الأم في تصرفات حميد الجديدة

الفصل الثاني عشر: زواج حميد

2 ـ أحداث الرواية

البداية

حالة حميد العائلية والاجتماعية في غياب عمل قارّ

عمليات

التحول

حدث طارئ

حصول حميد على عمل (بيع الصحف)

العقدة

تفكير الأم في تزويج حميد

الحل

زواج حميد من فيطونة

النهاية

مغادرة البيت ليلة زواجه

3 ـ ملخص أحداث الرواية

"حميد" الشخصية الرئيسية في الرواية يعيش مع والديه في البراريك، أبوه رجل كسول لا يتورع في استغلاله، يساعده على التقاط البلوط في الغابة، ويسلبه النقود التي يكسبها طوال النهار من بيع الصحف، أما الأم فلا تتوقف عن تأنيب الأب والابن للمزيد من العمل والكسب.

ومعاناته أيضا من الابتزاز الذي يتعرض له حينما يتسلل إلى الميناء لبيع الجرائد داخل السفن الأجنبية، حيث يخرج منها حاملا بعض علب السجائر التي يسلبها منه الحراس وشرطي الميناء بدعوى أنه دخلها بدون ترخيص.

يتجول حميد ليلا في حانات المدينة التي يرتادها الجنود الأمريكيون، ويعيثون فيها فسادا، مستغلين فقر الفتيات القادمات من القرى المجاورة، بحثا عن عمل. وغيرته على إحدى المومسات "غنو" التي خلصها من جندي أمريكي وأحد المتسكعين، لتصبح خليلته فيما بعد، حيث أعطته مفتاح البراكة التي تسكنها، يدخلها ليلا ليستريح، وينتظرها حتى تعود، فتقرضه بعض النقود حتى لا يعود إلى أبيه خاوي الوفاض.

ألحت الأم على أبيه ليبني له براكة في الحوش لأنه أصبح رجلا، وبعد تردد الأب في بناء البراكة رضخ لقرار الأم، ولكنه لم ينج من تسلط المقدم الذي أمرخ بهدمها لأنه لم يحصل على ترخيص من السلطات، لكن المقدم غضّ الطرف بعد تسلم خمسة درهما كرشوة.

تقرر أمه بعد ذلك أن تزوجه من إحدى بنات البراريك "فيطونة" السمينة التي كانت تغمز برجلها اليسرى، رغم تهكم نساء البراريك لأنها لا تجد ما تقتات به فكيف لها أن تعول امرأة أخرى. لم يعترض حميد على هذا الزواج رغم تعرفه على "غنو" التي كان ينام في بيتها بعض الليالي. ولم ينج من تعليقات أصحابه وتوقعاتهم لما سيحصل لو علمت خطيبته "فيطونة" بالأمر.

زفّ حميد إلى زوجته "فيطونة" تحت زغاريد النساء وهتاف أصدقائه، واستمر الغناء والرقص إلى بعد منتصف الليل، ورفعت صينيات الشاي، ووضع الأكل، وانصرف الجيران بعد ذلك. طاف الأصدقاء بحميد بين أزقة الأكواخ ثم أعادوه إلى براكته حيث كانت تنتظره "فيطونة" طال دخوله البراكة، انتظرته أمه وحماته، وحين نفذ صبرهما، طرقت أمه باب الكوخ لتستفسر سبب هذا التأخر. وقد كان نبأ عدم عذرية "فيطونة" صاعقة بعثرت كل الأوراق والترتيبات. لم يخاصم حميد أحدا، خرج من كوخ الزوجية وركب دراجته وتوجه نحو "غنو".